ابن الأثير
23
الكامل في التاريخ
فلما رأى أبوه تغلبه عليه أخرج له خادما من خدم القصر الأكابر ، فجمع الجموع وحشد من الرجالة خلقا كثيرا ، وتقدم إلى البلد ، فأخرج إليهم حسن جماعة من خواصه وأصحابه ، فقاتلوهم ، فانهزم الخادم وقتل من الرجالة الذين معه خلق كثير ، وعبر الباقون إلى بر الجزيرة ، فاستكان الحافظ ، فصبر تحت الحجر . ثم إن الباقين من الأمراء المصريين اجتمعوا واتفقوا على قتل حسن ، وأرسلوا إلى أبيه الحافظ وقالوا له : إما أنك تسلم ابنك إلينا لنقتله أو نقتلكما جميعا ، فاستدعى ولده إليه واحتاط عليه ، وأرسل إلى الأمراء بذلك ، فقالوا ، لا نرضى إلا بقتله . فرأى أنه إن سلمه إليهم طمعوا فيه وليس إلى إبقائه سبيل ، فأحضر طبيبين كانا له أحدهما مسلم والآخر يهودي ، فقال لليهودي : نريد سما نسقيه لهذا الولد ليموت ونخلص من هذه الحادثة . فقال : أنا لا أعرف غير النقوع وماء الشعير وما شاكل هذا من الأدوية . فقال : أنا أريد ما أخلص به من هذه المصيبة . فقال له : لا أعرف شيئا . فأحضر الطبيب المسلم وسأله عن ذلك ، فصنع له شيئا فسقاه الولد فمات لوقته ، فأرسل الحافظ إلى الجند يقول لهم : إنه قد مات . فقالوا : نريد [ أن ] ننظر إليه ، فأحضر بعضهم عنده فرأوه وظنوه قد عمل حيلة ، فجرحوا أسافل رجليه فلم يجر منها دم ، فعلموا موته وخرجوا . ودفن حسن وأحضر الحافظ الطبيب المسلم وقال له : ينبغي أن تخرج من عندنا من القصر ، وجميع ما لك من الإنعام والجامكية باق عليك ، وأحضر اليهودي وزاده وقال له : أعلم أنك تعرف ما طلبته منك ولكنك عاقل فتقيم في القصر عندنا . وكان حسن سيّئ السيرة ظالما جريئا على سفك الدماء وأخذ الأموال ، فهجاه الشعراء ، فمن ذلك ما قال المعتمد بن الأنصاري صاحب الترسل المشهور : لم تأت يا حسن بين الورى حسنا * ولم تر الحق في دنيا ولا دين